تابع لموضزع الشهيد زيد بن عليّ بن الحسين بن علي عليه السّلام

اذهب الى الأسفل

تابع لموضزع الشهيد زيد بن عليّ بن الحسين بن علي عليه السّلام

مُساهمة من طرف ابن النهرين في السبت 8 يناير - 8:45

الحِكم والآداب

وقف التاريخ على نُبذة يسيرة من حكمه ومواعظه التي تجري مجرى الامثال وتُعدّ من جوامع الكلم. فأوحاها الينا لنستفيد منها دروساً ضافية في الاخلاق وتهذيب النفوس وتطهير القلوب، فمن ذلك قوله: من لم يستحي فهو كافر. (55) وسُئل: الصمت خير أم الكلام، فقال: قبح المساكتة ما أفسدها للبيان، وأجلبها للعي والحصر. والله للمماراة أسرع في هدم الفتى من النار في يبس العرفج، ومن السيل إلى الحدور. (56) وكان إذا كلّمه انسان وخاف أن يهجم على أمر يخاف منه مأئماً، يقول له: يا عبدالله أمسِك أمسِك، كُفّ كفّ، إليك إليك، عليك بالنظر لنفسك، يكفّ عنه ولا يكلّمه. (57) وقال يوماً للزهري وقد قارف ذنباً فاستوحش منه وهرب على وجهه: قُنوطُك من رحمة الله التي وسعت كل شيء أشدّ عليك من ذنبك. (58) وقال: المروّة إنصاف مَن دونك، والسمع إلى مَن فوقك، والرضا بما أُوتي إليك من خيرٍ أو شرّ. وقال لابنه يحيى: إنّ الله لم يرضَك لي فأوصاك بي، ورضيني لك فلم يوصني بك. يا بني خير الآباء مَن لا تدعه المودة إلى الافراط، وخير الأبناء من لم يدعه التقصير إلى العقوق. (59) وكان يقول: لقد خلوت بالقرآن اقرأه، فما وجدت في طلب الرزق رخصة، وجدت « ابتغوا من فضل الله » إلاّ العبادة والفقه. (60) وعزّاه بعض إخوانه في ولدٍ له تُوفّي، فكتب في الجواب: أمّا بعد، فإنّا أموات آباء أموات أبناء أموات، عجباً من ميّت يعزّي ميتاً عن ميّت، والسلام. وقال في وصيّته لابنه يحيى عند وفاته: يا بُني جاهد الكفار فإنّك لعلى الحقّ وإنّهم لعلى الباطل، وإنّ قتلاك لفي الجنّة وقتلاهم لفي النار. (61)

* * *

أحاديث المدح


كانت قضية زيد من القضايا التي أخذت نصيباً في الأهمية وما زالت تتردّد على لسان النبي صلّى الله عليه وآله فالأوصياء بعده، فالعترة من أبنائهم بصور مختلفة يلقونها إلى أصحابهم فيفيدونهم درساً بليغاً من عظمة صليب الكناسة وما له من المقام العالي في الفضيلة والمكانة من الشرف، وهي الآيات البيّنة تدحض قول كلّ أفّاك أثيم، وإليك ما وجدناه من الأحاديث محفوظاً في الجوامع في هذا الشأن.
1. الروض النضير ج 1 ص 58 عن المنهاج لمحمد بن المطهر، وجلاء الابصار للحاكم، والأمالي ليحيى بن الحسين الهاروني بسند يرفعونه إلى زاذان، يرفعه إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله قال: الشهيد من ذريّتي والقائم بالحق من ولدي المصلوب بكناسة كوفان، إمام المجاهدين وقائد الغرّ المحجّلين، يأتي يوم القيامة وأصحابه تتلقّاهم الملائكة المقرّبون، ينادونهم: ادخُلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون.
2. وعن المنهاج وهداية الراغبين وجلاء الأبصار، عن أنس بن مالك، أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله قال: يُقتل رجل من ولدي يقال له « زيد » بموضع يعرف بالكناسة، يدعو إلى الحقّ ويتبعه كلّ مؤمن.
3. كتاب الملاحم لابن طاوس في الباب 31، أنّ علياً عليه السّلام وقف في الموضع الذي صُلب فيه زيد بن عليّ بالكوفة، ومعه أصحابه فبكى وبكى أصحابه، فقالوا له: مالذي أبكاك ؟ قال: إنّ رجلاً من وُلدي يُصلب في هذا الموضع، من رضي أن ينظر إلى عورته أكبّه الله على وجهه في النار.
4. في الباب 59 منه، أن علياً عليه السّلام خطب بالكوفة وقال: سَلوني، في العشر الأواخر من شهر رمضان تفقدوني. ثمّ ذكر الحوادث بعده وعدّ منها قتل الحسين عليه السّلام وقتل زيد بن عليّ عليه السّلام، واحراقه وتذريته بالرياح وأنّه في الجنة.
5. أبو داود المدني قال: حدّث عليّ بن الحسين عن أبيه عن عليّ عليه السّلام قال: يخرج بظهر الكوفة رجل يقال له زيد، في أبّهة الملك لا يسبقه الأوّلون ولا يدركه الآخرون إلاّ مَن عمل بمثل عمله، يخرج يوم القيامة هو وأصحابه معهم الطوامير أو شبه الطوامير حتّى يتخطَّوا أعناق الخلائق، تتلقّاهم الملائكة فيقولون: هؤلاء خلف الخلف ودُعاة الحق، ويستقبلهم رسول الله صلّى الله عليه وآله، فيقول: يا بنيّ قد عملتم ما أُمرتم به فادخُلوا الجنة بغير حساب.
6. مقاتل الطالبيين عن خالد مولى آل الزبير قال: كنّا عند عليّ بن الحسين عليه السّلام فدعا ابناً له يُقال له زيد، فكبا لوجهه فانشجّ، فجعل يمسح الدم عن وجهه ويقول: أُعيذك بالله أن تكون زيداً المصلوب بالكناسة، مَن نظر إلى عورته متعمداً أصلى الله وجهه بالنار.
7. الروض النضير ج 1 ص 55 عن جابر الجعفي، قال سمعت أبا جعفر عليه السّلام وقد نظر إلى أخيه زيد بن عليّ فتلا هذه الآية والذين هاجروا وأُخرجوا من ديارهم وأُوذوا في سبيلي وقاتلوا وقُتلوا الآية وقال: هذا والله مِن أهل ذلك، قال جابر: وسألت محمّد بن عليّ عليهما السّلام عن أخيه زيد، فقال: سألتني عن رجل مُلئ إيماناً وعِلماً من أطراف شعره إلى أقدامه، وهو سيّد أهل بيته.
8. عيون أخبار الرضا في الباب 25، ومقاتل الطالبيين عن جابر الجعفي عن الباقر عليه السّلام أن رسول الله صلّى الله عليه وآله قال للحسين عليه السّلام: يا حسين، يخرج من صلبك رجل يقال له زيد يتخطّى هو وأصحابه رقاب الناس يدخلون الجنة بغير حساب. ورواه في كفاية الأثر عن محمد بن مسلم عنه عليه السّلام.
9. سرّ السلسلة العلوية، عن سدير الصيرفي قال: كنت عند أبي جعفر الباقر عليه السّلام فدخل زيد بن عليّ عليه السّلام، فضرب أبو جعفر عليه السّلام كتفه، وقال: هذا سيّد بني هاشم، إذا دعاكم فأجيبوه، وإذا استنصركم فانصروه.
10. مقاتل الطالبيين عن يونس بن خباب قال: جئت مع أبي جعفر عليه السّلام إلى الكتاب، فدعى زيداً وألزق بطنه، وقال: أعيذك بالله أن تكون صليب الكناسة.
11. رجال الكشي في ترجمة السيّد الحميري عن فضيل الرسان، قال: دخلت على أبي عبدالله عليه السّلام بعد ما قُتل زيد بن عليّ عليه السّلام فأُدخلت بيتاً في جوف بيت، وقال لي: يا فضيل، قُتل عمّي زيد بن عليّ عليه السّلام ؟ قلت: نعم جعلت فداك؛ فقال: رحمه الله، أما إنّه كان مؤمناً وكان عارفاً وكان عالماً وكان صدوقاً، أما إنّه لو ظفر لوفى، أما إنّه لو مَلَك لعرف كيف يضعها.
12. مجالس الصدوق 62 عن حمزة بن حمران، قال: دخلت على جعفر بن محمّد عليه السّلام، فقال: من أين أقبلت ؟ قلت: من الكوفة، فبكى حتّى بلت دموعه لحيته. قلت له: يا ابن رسول الله صلّى الله عليه وآله، مالك أكثرت البكاء ؟! قال: ذكرت عمي زيداً وما صُنع به. قلت: وما الذي ذكرت منه ؟ قال: ذكرت مقتله وقد أصاب جبينه سهم، فجاء ابنه يحيى وانكب عليه، وقال: أبشر يا أبتاه فانك ترِد على رسول الله صلّى الله عليه وآله وعليّ وفاطمة والحسن والحسين صلوات الله عليهم، قال: أجل يا بني. ثمّ دعا بحداد فنزع السهم من جبينه فكانت نفسه معه، فجِيء به إلى ساقية تجري عند بستان [ زائدة ] فحفروا له فيها ودفن وأجرى عليه الماء، وكان معهم غلام سندي لبعضهم، فذهب إلى يوسف بن عمر من الغد، وأخبره بدفنهم إياه، فاخرجه يوسف بن عمر وصلبه بالكناسة أربع سنين، ثمّ أمر به فأُحرق بالنار، وذُرّي بالرياح. فلعن الله خاذله، وقاتله، وإلى الله أشكو ما نزل بأهل بيت نبيه صلّى الله عليه وآله بعد موته، ونستعين الله على عدونا وهو خير المستعان.
13. كشف الغمة، قال الصادق عليه السّلام لأبي ولاد الكاهلي: رأيت عمي زيداً ؟ قال: نعم رأيته مصلوباً، ورأيت الناس بين شامت ومحزون، فقال عليه السّلام: أمّا الباكي عليه فمعه في الجنة، وأمّا الشامت فشريك في دمه.
14. ثواب الأعمال للصدوق، عن محمّد الحلبي، أن أبا عبدالله عليه السّلام قال: قتل الحسينَ عليه السّلام آلُ أبي سفيان فنزع الله مُلكهم، وقتل هشامٌ زيداً بن عليّ عليه السّلام فنزع اللهُ ملكه، وقتل الوليدُ يحيى بن زيد فنزع الله ملكه.
15. رجال الكشي، عن عبدالرحمن بن سيابة قال: دفع إليّ الصادق عليه السّلام دنانير وأمرني أن أُقسّمها على عيالات من أُصيب مع عمه زيد، فقسّمتُها فأصاب عيالَ عبدالله بن الزبير الرسّان أربعة دنانير.
16. الكافي، عن سليمان بن خالد أنّ أبا عبدالله الصادق عليه السّلام قال له: كيف صنعتم بعمي زيد ؟ قال: إنّهم كانوا يحرسونه، فلمّا شفّ (62) الناس أخذنا خشبته ودفناه على الجرف من شاطئ الفرات، فلما أصبحوا جالت الخيل يطلبونه فوجدوه. قال عليه السّلام: أفلا أوقرتموه حديداً وألقيتموه في الفرات، صلّى الله عليه ولعن قاتله.
17. الاصابة لابن حجر، بترجمة حكيم بن عياش عن فوائد الكواكب، يرفعه إلى رجل جاء إلى الصادق جعفر عليه السّلام فقال له: سمعت حكيم بن عياش ينشد هجاءكم بالكوفة، فقال: هل علقت منه بشيء ؟ قال سمعته يقول:


صلبنا لكم زيدّا على جذع نخلة **** ولم نرَ مهديّاً على الجذع يُصلبُ
وقِـستُم بـعثمانٍ عـليّاً سفاهة **** وعـثمانُ خير من عليّ وأطيبُ

فرفع الصادق عليه السّلام يديه وهما يرعشان وقال: اللهمّ إن كان عبدك كاذباً فسلِّط عليه كلبَك. فبعثه بنو أميّة إلى الكوفة، فبينا هو يدور في سككها إذ افترسه الأسد، واتّصل خبره بجعفر عليه السّلام فخرّ ساجداً، ثمّ قال: الحمد الذي أنجزنا وعده.
ويظهر من غرر الخصائص لابراهيم المعروف بالوطواط ص 254 ومروج الذهب للمسعودي ج 2 ص 182 أن البيتين من جملة أبيات.
18. عيون أخبار الرضا عليه السّلام عن محمد بن يزيد النحوي عن أبيه أنّ الإمام الرضا عليه السّلام قال في مجلس المأمون ( ضمن كلام له عن زيد الشهيد ): إنّ زيداً بن عليّ عليهم السّلام لم يدّعِ ما ليس له بحقّ، وإنّه كان أتقى لله من ذلك، إنّه قال: أدعوكم إلى الرضا من آل محمّد، وإنّ ما جاء فيمن ادّعى الإمامة أنّ الله تعالى نصّ عليه ثمّ يدعو إلى غير دين الله ليُضلّ عن سبيله بغير عِلم، وكان زيد ـ واللهِ ـ ممّن خُوطب بهذه الآية وجاهِدوا في الله حقَّ جهادِه هو اجتباكم .

* * *


نظرة في الاحاديث


على ضوء هذه الأحاديث الكريمة نعرف من الحقيقة أنصعها ويتجلى من أعماق الاصداف لؤلؤها، وأنّ تلك الشخصية الشامخة على سبب وثيق من معادن الحق وذات كرامة قدسيّة تهبط من الملأ الأعلى، وأنّ الأئمة الهداة يتفألون من غرّة تلك النهضة الهاشمية أن يعود الحق إلى نصابه، وهي القوة التي تنحطم بها هيأكل الباطل وتعقد عليها الآمال، وهي التي أظهرت مظلوميّة الأئمّة، ومثّلت للملأ أحقيّتهم بالخلافة من غيرهم ذوي الأطماع وأرباب الشهوات، وانكشف لنا بكل وضوح امتثاله أمر الإمام في نقض دعائم الالحاد وتبديد جيش الظلم والباطل وتفريق جماهير الشرك وأحزاب الضلال وعبدة المطامع والاهواء، خصوصاً إذا قرأنا قول الباقر عليه السّلام: ويلٌ لمن سمع واعيته فلم يُجبه، وقول الصادق عليه السّلام: إذا دعاكم فأجيبوه وإذا استنصركم فانصروه، وقوله: أشركني الله في تلك الدماء، وقوله عندما سُئل عن مبايعته: بايعوه، وقوله: خرج على ما خرج عليه آباؤه، وقوله: برئ الله من تبرّأ من عمي زيد. فإن هذه الاحاديث تدلّنا على أنه لم يقصد إلا اصلاح امة جده صلّى الله عليه وآله ولم يدْعُ إلا إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة.

* * *
البراءة من دعوى الإمامة

من الجليّ الواضع بُطلان نسبة دعوى الإمامة لتلك النفس المقدسة والذات الطاهرة، وكيف نستطيع أن ننسب له ذلك ونحن نقرأ جوابه لولده يحيى حينما سأله عن الأئمّة الذين يلون الخلافة وعليهم النصّ من النبيّ صلّى الله عليه وآله، فإن فيه صراحة بالبراءة من دعوى الإمامة، واعتراف باستحقاق الاثنى عشر من أهل بيت النبيّ صلّى الله عليه وآله للخلافة. وهذا نص الحديث الذي يحدثنا عنه الحافظ عليّ بن محمد الخزاز الرازي القمّي في كفاية الاثر بإسناده إلى يحيى بن زيد قال: سألت أبي عن الأئمّة عليهم السّلام، فقال: الأئمّة اثنا عشر: أربعة من الماضين وثمانية من الباقين، قلت: فسمِّهم يا أبت، قال: أمّا الماضون فعليّ بن أبي طالب والحسن والحسين وعليّ بن الحسين عليهم السّلام، وأمّا الباقون فأخي الباقر وابنه جعفر الصادق، وبعده موسى ابنه، وبعده عليّ ابنه، وبعده محمد ابنه، وبعده عليّ ابنه، وبعده الحسن ابنه، وبعده المهدي: فقلت: يا أبت الستَ منهم ؟ قال: لا ولكن من العترة. قلت: فمن أين عرفت أسماءهم ؟ قال: عهدٌ معهود عهده رسول الله صلّى الله عليه وآله.
روى محمد بن بكير، قال: دخلت على زيد بن عليّ عليه السّلام، وعنده صالح بن بشير فسلّمت عليه، وهو يريد الخروج إلى العراق، قلت: يا بن رسول الله حدثني بشيء سمعته من أبيك، قال: نعم، إلى أن قال له: يا بن بكير، بنا عُرف الله وبنا عُبد الله ونحن السبيل إلى الله، ومنّا المصطفى والمرتضى، ومنّا يكون المهدي قائم هذه الأمّة. قلت: يا بن رسول الله صلّى الله عليه وآله، هل عهد إليكم رسول الله صلّى الله عليه وآله متّى يقوم قائمكم ؟ قال: يا بن بكير إنّك لن تلحقه، وإن الأمر يليه ستّة من الأوصياء بعد هذا ـ الصادق عليه السّلام ـ ثم يجعل خروج قائمنا فيملأها قسطاً وعدلاً كما مُلئت جوراً وظلماً، قلت: يا بن رسول الله، ألست صاحب هذا الأمر ؟ قال: أنا من العترة، فعدت فعاد إليّ، فقلت: هذا الذي تقوله، عنك أو عن رسول الله صلّى الله عليه وآله ؟ قال: لو كنتُ أعلم الغيب لاستكثرتُ من الخير، ولكن عهدٌ عهده إلينا رسول الله صلّى الله عليه وآله.
وحدّث أبو خالد الواسطي، عن زيد بن عليّ، عن أبيه عليّ بن الحسين عليه السّلام عن أبيه الحسين بن عليّ عليه السّلام قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله: يا حسين أنت الإمام، والتسعة من ولدك أمناء معصومون والتاسع مهديّهم، فطوبى لمن أحبهم والويل لمن أبغضهم.

* * *


الخلاصة

أمّا ما ذُكر من دعواه الإمامة لنفسه، عن جد وعقيدة، فما هو إلاّ أساطير لفّقها دعاة الباطل للحطّ من كرامة تلك الذات الطاهرة، بغضاً وعدواناً. وإن تكن تلك الدعوى، فانما الغرض منها استنقاذ الحقّ من أيدي المتغلّبين عليه ولاة الجور وأرباب الباطل وإعادته إلى أهله، كما يفصح عنه قول الصادق عليه السّلام: كان زيد عالماً وصدوقاً، ولم يدعكم إلى نفسه، وإنما دعاكم إلى الرضا من آل محمّد، ولو ظفر لوفى بما دعا إليه (63).
وهذا من أهم الوسائل إلى استحصال الحقّ المغصوب واعادة سلطان العدل إلى أهله. ولو أعلن الدعوة للإمام الصادق عليه السّلام كما يريده ضعيف النظر، قاصر البصيرة، لرأيت هناك الأضرار البالغة التي تلحق الإمام من أئمّة الجور، تكاد السماواتُ يتفطّرن منه وتنشقّ الأرضُ وتَخِرُّ الجبالُ هدّا .
من هذا وأشباهه نشاهد الإمام الصادق عليه السّلام تارة يظهر المدح والثناء عليه ويقول حين يُسئال عن خروجه: ( خرج على ما خرج عليه آباؤه ) (64)، وذلك لأن الثقة من أصحابه محفوظة، فلا خوف ولا تقية؛ وتارة يُلقي الستر والحجاب ولا يتكلم إلا بالإبهام والاعجام، ويقول لمن حاجج زيداً من أصحابه: اخذته من بين يديه ومن خلفه ولم تترك له مخرجاً. وذلك لان الخوف هناك والتقية أمامه.
ويشهد للتقية، ما يرويه فضيل الرسان، يقول: دخلت على الصادق بعد ما قتل زيد فأُدخلت بيتاً في جوف بيت فقال لي: يا فضيل، قتل عمي زيد ؟ قلت: نعم جعلت فداك فقال: رحمه الله، أما انّه كان مؤمناً وكان عارفاً وكان صدوقاً أما إنّه لو ظفر لوفى، اما انه لو ملك لعرف كيف يضعها.
فانه عليه السّلام لو لم يحذر ولم يخَفْ من وصول الخبر إلى أئمّة الجور لما أدخله تلك البيوت وسأله عما جرى على عمه؛ وإلى هذا ينظر ما في ( كفاية الأثر ) من بيان الوجه في مخالفة الصادق عليه السّلام حيث يقول: كانت المخالفة لضرب من التدبير، فإنّ مراده من التدبير ذلك الذي أشرنا إليه وهو الخوف من السلطان.
وتابعه على هذا الرأي السيّد صدر الدين بن الفقيه السيّد محمّد العاملي في تعليقته على ترجمة زيد من ( منتهى المقال ) (65) قال: ( لو لم يظهر الصادق عليه السّلام عدم الرضا بخروجه، ويصوب أصحابه في معارضتهم واسكاتهم إياه ولم يُجب بالابهام والاعجام عند السؤال عن خروجه، لكان في ذلك نقض الغرض والتعريض بهلاك الإمام ).
وهناك احتمال آخر للشيخ فخر الدين الطريحي النجفي ذكره في مادة ( زيد ) من مجمع البحرين، وهو حمل النهي على الشفقة وخوف القتل، وليس للتحريم؛ ولعله أخذه من الخوف الموجود في بعض الأخبار، مثل ما رواه القطب الراوندي في ( الخرايج ) في الباب 6 في معجزات الباقر عليه السّلام عن الحسن بن راشد، قال: ذكرت زيد بن عليّ عليه السّلام فتنقّصته عند أبي عبدالله عليه السّلام فقال: لا تفعل، رحم الله عمي زيداً انه أتى أبي وقال: إني أريد الخروج على هذا الطاغية، فقال: لا تفعل فاني أخاف أن تكون المقتول المصلوب على ظهر الكوفة، أما علمت يا زيد أنه لا يخرج أحد من السلاطين قبل خروج السفياني إلاّ قُتل. ثم قال: يا حسن، ان فاطمة عليها السّلام لعظمها على الله حرّم ذريتها على النار وفيهم أُنزلت ثمّ اورثْنا الكتابَ الذين اصطفَينا من عبادِنا فمنهم ظالمٌ لنفسه ومنهم مقتصدٌ ومنهم سابق بالخيرات فأما الظالم لنفسه الذي لا يعرف، والمقتصد العارف بحق الإمام. يا حسن، لا يخرج أحدنا من الدنيا حتّى يقر لكل ذي فضل فضله.

* * *


أسباب النهضة


كان السبب الوحيد الدافع للشهيد زيد على هذه النهضة، تنبيه الأمة على زلات ولاة الأمر وتعريفهم مضار تلك السطوة الغاشمة وذلك الحكم الجائر، ولولا نهضة الهاشميين في سائر الأنحاء والازمان لذهب الدين الحنيف الذي لاقى المتاعب صادعه وكابد في تأييده كل شدة، ادراج المنكرات، وذلك النهوض الباهر أفاد الامة شعوراً واحساساً بما عليه القوة العادية من الأخذ بالمشاق والحكْم بالشفاعات، كما عرفهم الصالح للقيام بتلك الوظيفة التي لا يقوم بها إلا نبي أو وصي نبي. ولا شك في محبوبية ذلك القيام للأئمّة الاطهار لما فيه من فوائد ومنافع أهمها ابقاء الناس على موالاتهم واعتقاد تقدمهم ومظلوميتهم، وإليه يشير الصادق عليه السّلام بقوله: ( خير الناس بعدنا مَن ذاكر بأمرنا ودعا إلى ذِكرنا )؛ وكون زيد قاصداً تلك الغاية فشيء لا ينكر خصوصاً بعدما نقرأ في حديث أهل البيت المتواتر ( انما دعا إلى الرضا من آل محمّد، ولو ظفر لوفى بما دعا إليه، انما خرج إلى سلطان مجتمع لينقضه ) وقوله لجابر بن عبدالله الأنصاري: إني شهدت هشاماً ورسول الله يُسَب عنده، فوالله لو لم يكن إلا أنا وآخر لخرجت عليه.
تُعرّفنا هذه المصارحة مقاصده العالية، ونيته الحسنى في أمة جده، واسترجاع الامامة إلى اهلها: تراجمة الوحي ومصدر الحِكم والاسرار. فلقد تلاعب الأُمويون بالدين الإسلامي، تلاعب الصبيان بالكرة.
تحكّم فيه معاوية عشرين عاماً بما شاء له هواه، كما اخبره عن نفسه بقوله:
« اني تضجعت فيها ظهراً لبطن » (66) وخطبته بالنُّخَيلة بعد صلح الحسن بن عليّ عليه السّلام القائل فيها: « انما قاتلتكم لأتأمّر عليكم، وقد أعطاني الله ذلك وأنتم كارهون، ألا وان كل شيء أعطيتُه الحسن بن عليّ تحت قدميّ لا أفي به » (67)، شاهد عدل على الغاية المتوخاة له، وانها ليست الا حب الدنيا، ونهمة الاستعمار واتباع المطامع، فلا غرابة إذاً إذا حدث عنه أبو إسحاق الموصلي ، بقوله: كان بين المغنين وبين معاوية ستارة لئلا يظهر ذلك للناس؛ ويقول أبو الفدا في « المختصر من اخبار البشر » (68): غنّاه بعض المغنين بشعر يحبه وذكر الابيات فطرب وتحرك، حتّى ضرب برجله الأرض وقوله لابنه يزيد وقد استمع عنده ليلة غناء أعجبه فلما أصبح قال له: من ملهيك البارحة ؟ قال: سائب بن خاثر، قال: فأكثرْ له من العطاء (69).
أجل، يقف القارئ موقف الدهشة والاستغراب، وان وجدت هذه الاحاديث في المصادر الموثوق بها، بعد ان يشاهده قريب العهد بزمن التشريع، والشريعة نفسها تمنع بتاتاً من سماع الغناء، فضلاً عن بذل مال المسلمين بازائه؛ لكنه إذا تصفحنا الآثار والجوامع وقرأنا اليسير من سيرته ارتفعت كل دهشة واستغراب، فهذا أحمد بن حنبل يحدّث في المسند ج 5 ص 347 عن عبدالله بن بريدة الاسلمي قال: دخلت انا وأبي على معاوية فأجلَسنا على الفراش ثمّ أُتينا بالطعام فأكلنا ثمّ أُتينا بالشراب فشرب معاوية ثم ناول أبي فقال: ما شربته منذ حرّمه رسول الله صلّى الله عليه وآله. ويقول أبو الفرج في الأغاني ج 2 ص 79: خرج عبدالرحمن بن سيحان سكرانا من دار الوليد بن عثمان، فضربه الحد ثمانين سوطاً مروان بن الحكم أيّام ولايته المدينة، فغاظ معاوية ذلك حينما اقرأه البريد هذه الحادثة، وقال: لو كان حليف أبي العاص لما ضربه، وانما ضربه لكونه حليف حرب بن أمية. ثمّ أمر الكاتب أن يكتب إلى مروان باعطاء ابن سيحان ألفَي درهم ويعلن أنه ضربه على شبهة، ففعل ذلك مروان. ويحدّث الزمخشري في [ ربيع الابرار ] في باب التأديب والحبس والنكال، « إن معاوية بن أبي سفيان قُدّم إليه حمزة السارق فأمر بقطعه، فاستعطفه بهذه الابيات:


يـديْ يـا أمير المؤمنين أُعيذها **** بـعفوك مـن عار عليها يشينها
فلا خير في الدنيا ولا في نعيمها **** إذا مـا شـمالي فـارقتها يمينها
فلو قد أتى الاخبار قومي تقلصت **** إليك المطايا وهي خوصٌ عيونُها


فأبطل عنه الحد وهو أول حد بطل في الإسلام ».
لقد هانت على الدين الحنيف كل صعوبة لاقاها تلك الأيّام القاسية، بعد ما شاهد أيّام « يزيد » ذلك الذي سوّد صحائف حياته بالمنكرات، فكانت أيامه كلها جوراً وضلالاً وانهماكاً في الخمور (70)، فمثلت تلك الأيّام المظلمة موقفه السيّئ في هذه الشريعة المقدسة. ومن هنا مقته الناس، وخرج عليه أهل المدينة فاسرف جيشه المتمرد في دماء الابرياء من الصحابة والتابعين، واتخذ من بقي من الناس عبيداً له في طاعة الله ومعصيته ومن لم يقبل تُضرب عنقه، فبايعوه على ذلك الا رجلاً من قريش قال: أبايعه في طاعة الله، فلم يقبل منه فقُتل (71).
كانت تلك الفضائع والمنكرات بمرأىً منه ومسمع، يشهد له وصيته أمير الجيش لمّا سيره بإباحة حرم الرسول صلّى الله عليه وآله ثلاثة أيّام (72)، ذلك الحرم الذي يقول فيه النبيّ صلّى الله عليه وآله: من أخاف أهل المدينة ظالماً لهم اخافه الله وكانت عليه لعنة الله (73)، ولم يعلمنا التأريخ باستيائه وغضبه حينما اقرأه البريد انتهاب ذلك الجند أموال الابرياء واستباحته الفروج والاعراض (74)، نعم حمل الينا التاريخ مجازاته مروان بن الحكم بكل جميل لإعانته أمير الجيش على أهل المدينة، فقربه وأدناه وشكر له (75).
ليس الغرض في هذا الموقف احصاء زلات القوم وان كثرت، لاني لم أكن في هذا المختصر بصدد ذلك؛ وانما كان التعرض لهذه الجملة اليسيرة كمثل تتعرف منه القراء الغاية الباعثة للشهيد زيد على الخروج، وهي استرجاع الخلافة إلى أهلها، واظهار العدل في امة جده صلّى الله عليه وآله، وقلع الفساد الذي نشروه بين الأمة.

* * *

موقفه مع هشام

ولم يوقفه عن الإصحار بالحقيقة، كلُّ ما كان يلاقيه من الذل والهوان من هشام بن عبدالملك، فانه كان يقيم في الشام الأيّام المتطاولة، وفي كل يوم يطلب الإذن من هشام ليرفع إليه القصص وفيها الشكايات من سوء معاملة عماله معه، فلم يأذن له (76)، في حين انه يشاهد الاذن للاذناب ومن لاحظَّه في العلم والعرفان، وإذا أذن له أمر أهل المجلس بالتضايق وعدم التوسع له (77) لئلا يظهر للناس كلامه وحسن بيانه، ولكن لم يمنعه ذلك من الجواب وأداء المقصود والرد عليه، فكان يُمع هشاماً من الكلام ما هو أحدّمن السيف وأنفذ من السهم.
قال لزيد في جملة تلك الأيّام وقد احتشد المجلس بأهل الشام: ما يصنع أخوك البقرة ؟غضب زيد حتّى كاد يخرج من أهابه، وقال: سماه رسول الله صلّى الله عليه وآله الباقر وانت تسميه البقرة ؟! لشد اختلفتما، لتخالفه في الآخرة كما خالفته في الدنيا، فيرد الجنة وترد النار (78)، فانقطع هشام عن الجواب وبان عليه العجز ولم يستطع دون أن صاح بغلمانه: أخرجوا هذا الاحمق المائق. فاخذ الغلمان بيده فأقاموه.
وفي حديث عبدالأعلى الشامي، أن زيداً بن عليّ لما قدم الشام، ثقل ذلك على هشام، لما كان فيه من حسن الخلق وحلاوة اللسان، فشكا ذلك إلى مولى له، فقال: ائذن للناس إذناً عاماً وأحجب زيداً، ثمّ ائذن له في آخر الناس، فإذا دخل عليك وسلم فلا ترد عليه، ولا تأمره بالجلوس فإذا رأى أهل الشام هذا سقط من أعينهم. ففعل بكل ما أشار عليه، اذن للناس وحجبه ثمّ اذن له في آخر الناس ولما دخل عليه قال: السّلام عليك يا أمير المؤمنين، فلم يرد عليه؛ فقال: السّلام عليك يا أحول، فانك ترى نفسك أهلاً لهذا الاسم (79)، فقال له هشام: بلغني أنك تذكر الخلافة وتتمناها ولست هناك وأنت ابن أَمَة، فقال له زيد: انّ الامهات لا يُقعدن بالرجال عن الغايات، وقد كانت ام إسماعيل امة لأم إسحاق فلم يمنعه ذلك ان بعثه الله نبياً وجعله أباً للعرب وأخرج من صلبه خير الانبياء محمّداً صلّى الله عليه وآله (80)، وأخرج من إسحاق القردة والخنازير وعبدة الطاغوت (81). فغضب هشام وأمر بضربه ثمانين سوطاً (82)، فخرج زيد من المجلس وهو يقول: لن يكره قوم حَرَّ السيوف الا ذلوا. فحملت كلمته إلى هشام فعرف انه خارج عليه؛ قال: ألستم تزعمون ان أهل البيت قد بادوا! فلعمري ما انقرض مَن مثْلُ هذا خلَفُهم (83). وتمثل زيد بهذين البيتين (84):

إنّ الـمحكّم مـا لـم يرتقب حسداً **** أو يرهب السيف أو وخز القناة صفا
مـن عاذ بالسيف لاقى فرجة عجباً **** مـوتاً على عجَل أو عاش فانتصفا


وتمثل بهذه الابيات (85):

شـرّده الـخوف وأزرى به **** كذاك من يطلب حر الجلادْ
منخرق الكفين يشكو الجوى **** تـنكبه أطـراف مـرٍ حدادْ
قـد كان في الموت له راحة **** والموت حتم في رقاب العبادْ
إن يُـحدث الله لـه دولـة **** يـترك آثار العدى كالرمادْ


ولما خرج زيد بعث إليه بهذه الأبيات (86):

مهلاً بني عمّنا عن نحت أثلتنا **** سيروا رويداً كما كنتم تسيرونا
لا تجمعوا أن تهينونا ونكرمكم **** وأن نكف الاذى عنكم وتؤذونا
فالله يـعـلم أنّـا لا نـحبكمُ **** ولا نـلـومكمُ ألا تـحـبونا

* * *


زيد وخالد القسريّ


لما ولى يوسف بن عمر الثقفي ( العراق ) لهشام بن عبدالملك اخذ يحاسب خالد بن عبدالله بن يزيد بن اسد بن كرز البجلي ثم القسري على بيت المال، وكان قبله والياً على العراق فحبسه، وعذبه، فادعى خالد أنه اشترى أرضاً بالمدينة من زيد بن عليّ عليه السّلام بعشرة آلاف دينار، فكتب يوسف بن عمر إلى هشام بذلك فاستحضر زيداً وسأله عن الأرض فأنكر واستحلفه فحلف له فخلى سبيله (87)، وكتب يوسف بن عمر كتاباً ثانياً، يقول فيه: إنّ خالداً ادعى انه أودع مالاً جزيلا عند زيد بن عليّ، ومحمد بن عمر بن عليّ بن أبي طالب عليه السّلام، وداود بن عليّ بن عبدالله بن العباس بن عبدالمطلب، وسعد بن إبراهيم بن عبدالرحمن بن عوف، وأيوب بن سلمة بن عبدالله بن العباس بن الوليد المخزومي. فكتب هشام إلى عامله بالمدينة أن يحمل إليه الجماعة، فحملهم إليه مكرهين (88). فقال بعض بني هاشم (89):


يـأمن الطير والظباء ولا **** يـأمن آلُ النبيّ عند المقامِ
طبتَ بيتاً وطاب أهلُك أهلاً **** أهـل بيت النبيّ والإسلامِ
رحـمةُ الله والسلام عليكم **** كـلّما قـام قـائمٌ بـسلامِ
حفظوا خاتَماً وجرّوا رداءً **** أضـاعوا قـرابة الأرحامِ


ولما اجتمعوا عند هشام سألهم عن المال فانكروا واستحلفهم فحلفوا وأقرّ بعضهم بانه لم يستفد من خالد سوى الجائزة؛ فقال لهم هشام: انا باعثون بكم إلى يوسف بن عمر ليجمعكم مع خالد، فقال زيد: نشدتك الله يا هشام والرحم إلا تبعث بنا إليه فانا نخاف ان يتعدى علينا، فقال: كلاّ انا باعث معكم رجلاً من الحرس يأخذه بذلك. ثمّ كتب إلى يوسف بن عمر: أما بعد، فإذا قدم عليك فلان وفلان فاجمع بينهم وبين خالد فان اقروا بما ادّعى عليهم فسرّح بهم إليّ، وإن أنكروا فاسأله البيّنة، فإن لم يُقِمْها فاستحلفهم بعد صلاة العصر، بالله الذي لا إله إلا هو ما استودعهم وديعة ولا له قبلهم شيء ثمّ خلِّ سبيلهم (90)، وبعث هشام بهم إلى العراق واجتنب ايوب بن سلمة لخؤلته فإنّ ام هشام بن عبدالملك ابنة هشام بن إسماعيل بن هشام بن الوليد المخزومي وهو في اخواله (91)، فقدموا على يوسف بن عمر فسألهم عن المال فأنكروا ثمّ قال زيد: كيف يودعني المال وهو يشتم آبائي على منبره ؟! (92)؛ فأخرج خالداً إليهم وقال له: هؤلاء الذي ادّعيت عندهم، فاعترف بأنه لم يكن له عندهم شيء، فغضب يوسف وقال: أفبي تهزأ أم بأمير المؤمنين ؟! وضربه حتّى خُشي عليه الهلاك، فقال زيد لخالد: ما الذي دعاك إلى ذلك ؟ قال: شدة العذاب ورجوت به الفرج.

* * *
استجارة أهل الكوفة


اقام الشهيد زيد بالكوفة أيّاماً بعد ان وضح حاله للوالي وعرف براءته من تلك التهمة، ثمّ قفل راجعاً إلى المدينة. وفي القادسية أو الثعلبية لحقه جماعة من أهل الكوفة واستجاروا به من جور الأمويين وظلمهم الفاحش وطلبوا منه المصير إلى بلادهم، وقالوا له: نحن اربعون الفاً نضرب باسيافنا دونك، وليس عندنا من أهل الشام إلا عدة وبعض قبائلنا يكفيهم باذن الله تعالى. وأعطوه العهود والمواثيق إلاّ يخذلونه، فقال لهم: اني أخاف ان تفعلوا معي كفعلكم مع أبي وجدي. فحلفوا له بالايمان المغلظة على ان يجاهدوا بين يديه (93)، فلما عزم على موافقتهم عرفه جماعة ممن يمحضه الود والنصيحة غدر أهل الكوفة وانهم لا ثبات لهم في قول ولا عمل.
حسب هؤلاء الناصحون له أنه لم يصل إلى ما يعرفونه في أولئك الغدرة المجبولين على نقض العهود والمواثيق، فاشاروا عليه بالإعراض عن الكوفة فإن نتيجة وفاقهم القتل، ولكنهم لم يقفوا على الغاية المقصودة له من تعريف الملأ البدع التي أحدثها الامويون، وكادت ـ لولا هذه النهضات المقدسة من العلويين ـ تقضي على الدين باسرع وقت.
كيف يجهل رضوان الله عليه قتله في هذا الوجه مع ما يشاهده من علامات القتل ودلائله، رأى قبل الخروج إلى الكوفة في منامه كانه قائم يخطب، فعبّرها بالصَّلْب (94). ورأى مرة ثانية كانه أضرم ناراً في العراق ثمّ اطفأها ومات، فقصّها على ابنه يحيى فعبّرها بالخروج على هشام. ومن هنا كان يقول لهشام حين أمره بالخروج إلى الكوفة لموافقة يوسف بن عمر الثقفي: نشدتُك بالله يا أمير المؤمنين ألاّ تبعثني إليه، فوالله لا آمن إن بعثتني إليه ألاّ أجتمع أنا وأنت حيّين على ظهر الأرض بعدها، فقال له: الحق بيوسف كما تُؤمر، فقدم عليه (95)، وكان الأمر كما قال. وينضاف إلى ذلك ما تلقّاه من آبائه عن النبيّ صلّى الله عليه وآله الموحى إليه على لسان الأمين جبرئيل من القتل والصلب والحرق، وإليه يشير بقوله لجابر بن عبدالله: لو لم أكن إلاّ أنا وآخر لخرجتُ عليه. يريد أنّ الخروج على هشام والقتل في هذا السبيل أمر محتّم من الله، لأن فيه أسراراً ومصالح أهمّها اظهار مظلوميّة آبائه.

* * *
تحذيره من أهل الكوفة


لما أجاب أهل الكوفة ورجع إليها عظم ذلك على صحبه وأهل بيته، فبالغوا في تخويفه وعرّفوه عواقب هذا الوفاق لما عليه أولئك الخونة من الشقاق والميل إلى الاطماع.
ولم يعزب عن علم زيد ما يصير إليه امره من القتل والشهادة، ولا كان يخفى عليه غرائز الكوفيين الغدرة بسلفه الطاهر، فقد انتهى إليه العلم القطعي من آبائه الهداة عن جده النبيّ الأعظم صلّى الله عليه وآله بما سوف ينتابه من المحن ويعانيه من السياسة القاسية من طاغية عصره، لكنه كغيره من قادة الاصلاح الناهضين لم يحصر أثر الوثبة في وجه داعية الفساد بخصوص الاستيلاء على قطر تتقلص عنه بقوة بأسه عوامل الفساد فيتخذه قاعدة سطوته، وبعدُ يمد يد الاصلاح إلى غيره من الاقطار، وانما هناك اسرار وفوائد تبرّر للمتوثب عمله، وتحبذ له غايته المتوخاة له؛ ولو لم يكن فيه الا إشعال شطر من قوى العدو عن الاستزادة في العمل، او لفت أنظار العامة إلى مجابهة تلك البيعة الفاجرة. على ان لأُباةِ الضيم و [ زيد الخير ] في طليعتهم وراء ذلك كله خطة لا يعدونها، وهو ايثار موتة العز على الحياة مع الضعة، والتوثب على كل حال متى شاكتهم شائكة الهوان. وبعد ان حظي [ زيد المفاخر ] بتلكم الغايات الكريمة جمعاء، لم يعبأ بكل انذار وتخويف صدر من رجال لم يقفوا إلا على صور وعاديات ومجاري أمور ظاهرية عكفوا عليها من غير ما وقوف على ما [ لشهيد إلاباء ] من أحساسات معنوية، ونوايا مقدسة، وما كان يجده من واجبه الديني بعهد من آبائه عن جده النبيّ صلّى الله عليه وآله، غير انه لم يجد لذلك العلم ظروفاً تسع الأمر المستصعب. لذلك كان يتحرى في جواب كل من أولئك ما تتحمله نفسه، فتارة يقول: شهدت هشاماً ورسول الله صلّى الله عليه وآله يُسَبّ عنده فلم يُغيّره، فو الله لو لم يكن إلا انا وآخر لخرجت عليه، وأخرى يقول: ان هشاماً أخرجنا اسرى على غير ذنب من الحجاز ثمّ إلى الجزيرة ثمّ إلى العراق ثمّ إلى تيس ثقيف يلعب بنا، وثالثة يقول: ان اهل الكوفة بايعوني وقد وجبتْ بيعتهم في عنقي، ورابعة يقول: انهم كتبوا إليّ يسألون القدوم عليهم.
وفي ذلك كله دلالة على ان هناك علماً لا يستطيع بثه لعدم القابل لتحمله. وبالرغم من أيّ وهن صوري يجده في طريقه، وتخاذل يبلغه عن الكوفيين ، مشى إلى مصرعه قِدماً. وكان كلما اشتد عليه الأمر لم يزدد إلا نشاطاً وفرحاً بقرب الغاية وبلوغ الأُمنيّة حتّى لفظ آخر نفس منه بقلب مرتاح وبشاشة بادية.





[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]



avatar
ابن النهرين
المدير العام

الجنس : ذكر
الابراج : الحمل
عدد المساهمات : 1521
تاريخ الميلاد : 28/03/1981
تاريخ التسجيل : 25/11/2010
العمر : 37

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: تابع لموضزع الشهيد زيد بن عليّ بن الحسين بن علي عليه السّلام

مُساهمة من طرف الأميرة الدلوعة في الأحد 31 يوليو - 9:21

عاشت ايدك يا الغالي


[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
avatar
الأميرة الدلوعة
المشرفة العامة لقسم الاسرة
المشرفة العامة لقسم الاسرة

الجنس : انثى
الابراج : الجدي
عدد المساهمات : 228
تاريخ الميلاد : 01/01/1992
تاريخ التسجيل : 01/12/2010
العمر : 26
المزاج المزاج : عالي

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: تابع لموضزع الشهيد زيد بن عليّ بن الحسين بن علي عليه السّلام

مُساهمة من طرف ابن النهرين في الإثنين 22 أغسطس - 10:31

يسلمو  على مرورك


[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]



avatar
ابن النهرين
المدير العام

الجنس : ذكر
الابراج : الحمل
عدد المساهمات : 1521
تاريخ الميلاد : 28/03/1981
تاريخ التسجيل : 25/11/2010
العمر : 37

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى