الشهيد زيد بن عليّ بن الحسين بن علي عليه السّلام

اذهب الى الأسفل

الشهيد زيد بن عليّ بن الحسين بن علي عليه السّلام

مُساهمة من طرف ابن النهرين في السبت 8 يناير - 8:16

الشهيد زيد بن عليّ بن الحسين بن علي عليه السّلام



ولادته

وُلد زيد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليهم السّلام بالمدينة بعد طلوع الفجر سنة ست وستين أو سبع وستين من الهجرة (1). وأمه أم ولد من السِّند، وهي أم إخوته عمر الأشرف وعليّ وخديجة (2)، اشتراها المختار بن عبيد الثقفي أيّام ظهوره بالكوفة بثلاثين الفاً وبعث بها إلى الإمام زين العابدين عليه السّلام:
يقول عمر الجعفري: كنت أدمن الحج فأمرّ على عليّ بن الحسين عليه السّلام فأسلّم عليه، وفي بعض حججي غدا علينا عليّ بن الحسين عليه السّلام ووجهه مشرق فقال: جاءني رسول الله صلّى الله عليه وآله في ليلتي هذه حتّى أخذ بيدي وأدخلني الجنة وزوّجني حوراءَ، فواقعتها، فعَلقَت؛ فصاح بي رسول الله صلّى الله عليه وآله: يا عليّ بن الحسين، سمِّ المولود منها زيداً. فما قمنا من مجلس عليّ بن الحسين عليه السّلام ذلك اليوم وعليّ يقصّ الرؤيا؛ حتّى أرسل المختار بن أبي عبيد بأمّ زيد هدية إلى عليّ بن الحسين عليه السّلام اشتراها بثلاثين الفاً؛ فلما رأينا إشفاقه بها تفرّقنا من المجلس؛ ولما كان من قابل حججت ومررت على عليّ بن الحسين عليه السّلام لأسلّم عليه، فأخرج زيداً على كتفه الأيسر وله ثلاثة أشهر وهو يتلو هذه الآية ويؤمئ بيده إلى زيد: هذا تأويلُ رؤيايَ مِن قَبلُ قد جعلَها ربّي حقاً (3).
ويشهد لما تضمّنته هذه الرواية من قصة الرؤيا رواية أبي حمزة الثمالي المرويّة في مجالس الصدوق مسنداً إليه، وفي ( فرحة الغري ) للسيد ابن طاوس بحذف الاسناد.

* * *

اسم أمه

ينصّ الحديث المروي في « الفرحة » بأنه حوراء، ويعرفنا النسّابة أبو الحسن العمري في « المُجدي » بأنه غزالة، وجاء في « غاية الاختصار » (4) بأنه جيداء وفي « سر السلسلة العلوية » و « الحدايق الوردية » جيد. ونحن إذا قرأنا ما يحدّث به المبرد في الكامل (5) من أن العرب تسمّي الأَمّة حوراء وجيداء ولطيفة، أمكننا موافقة المجدي فقط، لكون هذه الألفاظ إنّما يُشار بها إلى خصوص صنف الإماء وليست للميزة بين أفراد ذلك الصنف.

* * *


أوّل مَن سمّاه زيداً

لا يجازف من يرتئي صدور التسمية منه سبحانه وتعالى وَحياً على لسان الأمين جبرئيل، أعلَمَ بها النبيّ صلّى الله عليه وآله حينما حدّثه بما يجري على مهجته وفلذّة كبده ( صليب الكناسة ) من الحوادث الغريبة والغريبة جداً، بعد ما يقرأ في حديث أبي ذر الغفاري وقد دخل على النبي صلّى الله عليه وآله فرآه يبكي فرقّ له وسأله عما أبكاه، فأخبره بأنّ جبرئيل عليه السّلام هبط عليه وأخبره أن ولده الحسين عليه السّلام يُولَد له ابن يُسمّى علياً ويُعرف في السماء زين العابدين، ويولد له ابن يسمى زيداً يُقتل شَهيداً.
وفي حديث عليّ عليه السّلام: أخبرني رسول الله صلّى الله عليه وآله بقتل الحسين عليه السّلام وصلب ابنه زيد بن عليّ عليه السّلام. قلت له: أترضى يا رسول الله يقتل ولدك ؟ قال: يا علي، أرضى بحكم اللهِ فيَّ وفي ولدي، ولي دعوتان: أمّا الاولى فاليوم، والثانية إذا عُرضوا على الله عزّوجلّ، ثم رفع يديه إلى السماء وقال: يا عليّ، أَمِّن على دعائي: اللهمّ أحصِهم عدداً، واقتُلهم بَدداً، وسلِّط بعضَهم على بعض، وامنَعهم الشرب من حَوضي ومُرافقتي؛ ثمّ قال: أتاني جبرئيل وأنا أدعو عليهم وأنت تؤمِّن فقال: لقد أُجيبتْ دعوتُكما (6).
وحديث حذيفة بن اليمان: نظر النبيّ إلى زيد بن حارثة فقال: المظلوم من أهل بيتي سَمِيّ هذا، والمقتول في الله والمصلوب سَميّ هذا. وأشار إلى زيد بن حارثة؛ ثمّ قال: ادنُ منّي يا زيد، زادك الله حبّاً عندي، فأنت سَميّ الحبيب من ولدي (7).
وهذان الحديثان وان لم تكن فيهما صراحة على المُدَّعى، غير أنّه لا ينطق عن الهوى إن هو إلاّ وَحيٌّ يُوحى، فيجب أن يكون كلّما يلفظه من قولٍ عن وحيٍ أو الهام، ولا سيما حديث أبي ذر، فإنّه ينصّ على أنّ التسمية كانت معروفة في الملأ الأعلى، وقد أنهاها جبرئيل إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله بالوحي، فما يذهب بالمزاعم إلى أن التسمية كانت متأخّرة إلى حين ولادته تشبّثاً بما رواه ابن ادريس الحلّي في « مستطرفات السرائر » أجنبيّ عن القصد، وهو على ما ذكرناه أدلّ.
قال ابن ادريس: روى ابن قولوية عن بعض أصحابنا، قال: كنت عند عليّ بن الحسين عليه السّلام، وكان إذا صلّى الفجر لم يتكلّم حتّى تطلع الشمس، فجاءه يومَ وُلد فيه زيد فبشّروه به بعد صلاة الفجر فالتفت إلى اصحابه فقال: أيّ شيء ترون أن أُسمّي هذا المولود ؟ فقال كلّ رجل سمِّه كذا، فقال: يا غلام عَليَّ بالمصحف، فجاءوا بالمصحف فوضعه في حِجره ثمّ فتحه فنظر إلى أول حرف في الورقة، فإذا فيه وفَضّل اللهُ المجاهدين على القاعدين أجراً عظيما ثمّ فتحه ثانيا فنظر، فإذا أول الورقة إن الله اشترى من المؤمنين أنفسَهم وأموالَهم بأنّ لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيَقتلون ويُقتَلون وعداً عليه حقاً في التوراة والانجيل والقرآن ومَن أوفى بعَهده من الله فاستَبشِروا ببيعكمُ الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم ثمّ قال: هو والله زيد، هو والله زيد، فسُمّي زيداً.
هذا نصّ الخبر، ونحن إذا قرأناه بتأمّل نعرف أجنبيّته عن كَون السجاد عليه السّلام هو المخترع للاسم، وإنّما نعرف أنّه مُتلقَّى عن آبائه الهداة عن النبيّ صلّى الله عليه وآله المُوحى إليه على لسان الأمين جبرئيل؛ وممّا يكشف لنا عن ذلك اعتماده عليه السّلام في التسمية على الآيتَين الواردتين في فضل المجاهد، وعدم ارتباطهما بالتسمية لا يختلف فيه اثنان، ولكن الوجه بالتسمية بعد قراءتهما ليس إلاّ ما هو معلوم لديه عن آبائه عن النبيّ صلّى الله عليه وآله، بأنّه يُولَد له ولد يسمّى زيداً ويُقتَل شهيداً في الجهاد، فبهذه المناسبة سمّاه زيدًا عند قراءتهما، ويشهد له مجيئه بضمير الغائب حيث يقول « هو والله زيد، هو والله زيد »، فإنّه يريد أنّ ذلك المولود الذي سمّاه النبي صلّى الله عليه وآله زيداً ويُقتل شهيداً في الجهاد هو هذا.

* * *


لقبه


يلقّب زيد الأزياد (8)، إشارة إلى أنه المقدَّم على كلّ من سُمّي بهذا الاسم من جهة أعماله الصالحة وغاياته الشريفة التي استحق بها المدح والإطراء من الأئمة الهداة عليهم السّلام بخلاف غيره ممن سُمّي بهذا الاسم، وبالأخصّ من كان من أهل هذا البيت ممن لم يحمل لنا التاريخ من أعماله الحسنة ما يستوجب به المدح من الأئمّة عليهم السّلام: كزيد بن الحسن السبط عليه السّلام وزيد بن موسى بن جعفر عليه السّلام وهو زيد النار. نعم أقرأتنا جوامع الاحاديث خصومة الاول مع الإمام الباقر عليه السّلام في أمر الإمامة وشهادة السكينة التي بيده والصخرة التي كانت واقفاً عليها والشجرة التي هي قريبة منهما بأن الباقر عليه السّلام أحق بالأمر منه (9). ويقول الرضا عليه السّلام في حق الثاني عند ما قال له المأمون: يا أبا الحسن لان خرج أخوك وفعل ما فعل فلقد خرج قبله زيد بن عليّ عليه السّلام فقتل ولولا مكانك مني لقتلته فليس ما أتاه بصغير: « لا تقس يا أمير المؤمنين أخي زيداً بزيد بن عليّ عليه السّلام، فإنّه كان علمآء آل محمّد صلّى الله عليه وآله فغضب لله عزّوجلّ فجاهد أعداءه » (10).

* * *


كنيته


كانت كنيته المعروف بها أبا الحسين أحد أولاده، وهو ذو الدمعة؛ وعلى هذا مشهور المؤرخين وأرباب السير والتراجم (11).

* * *


صفاته


كان تامّ الخلق، طويل القامة، جميل المنظر، أبيض اللون، وسيم الوجه؛ واسع العينَين؛ مقرون الحاجبيَن، كَثّ اللحية، عريض الصدر، (12) بعيدَ ما بين المنكبين، دقيق المسربة، واسع الجبهة، (13) أقنى الأنف، أسود الرأس واللحية إلا أن الشيب خالط عارضَيه (14). وكان الوابشي يقول: إذا رأيت زيد بن عليّ رأيت أسارير النور في وجهه (15).

* * *


نقش خاتمه


في الخطط المقريزية ج 4 ص 307 وكان نقش خاتمه ( اصبر تُؤجَر، اصدق تَنْجُ )، ورواه أبو الفرج في المقاتل بإبدال « أصدق » بـ « تَوَقَّ ».

* * *


نشأته


نشأ في حجر أبيه السجاد عليه السّلام وتخرّج عليه وعلى الإمامين الباقر والصادق عليهما السّلام، ومنهم أخذ لطائف المعارف وأسرار الاحكام، فافحم العلماء واكابر المناظرين من سائر الملل والأديان. ولا بِدْع ممّن تخرّج من مدرسة محمودة ومناظرات مشهودة.
وكان عنده ما تحمّله آباؤه الهداة من سرعة الجواب والوضوح في البيان، ممزوجاً ببراعة في الخطاب؛ فبلغ من ذلك كلّه مقاماً لم يترك لأحدٍ مُلتحَداً عن الاذعان له وبالنبوغ، حتّى أنك تجد المتنكبين عن خطّة آبائه عليهم السّلام لم تدع لهم الحقيقة من ندحة عن الاعتراف بفضله الظاهر: فهذا أبو حنيفة يقول: ( شاهدت زيد بن عليّ كما شاهدت أهله، فما رأيت في زمانه أفقَه منه ولا أسرع جواباً ولا أبيَن قولاً ) (16). وينفى الشبعيّ أن تلد النساء مثل زيد في الفقه والعلم (17). وأما الحافظ ابن شبّة وابن حَجَر الهيثمي (18) والذهبي (19) وابن تيمية (20)، فكلماتهم تشهد بأنّه من أكابر العلماء وأفاضل أهل البيت في العلم والفقه.
ومن عثرنا على كلامه من أصحابنا الإمامية كأبي إسحاق السبيعي والأعمش (21) والشيخ المفيد (22) وميرزا عبدالله المعروف بالأفندي (23) وأبو الحسن العمري النسّابة (24) والسيّد عليّ خان (25) والحرّ العاملي (26) والمحدث النوري (27)، وجدناه مصرّحاً بفضله في العلم وتبصُّره بالمناظرات، وكان عمر بن موسى الوجهي يقول: رأيت زيد بن عليّ فما رأيت أحداً يفضله في معرفة الناسخ والمنسوخ والمتشابه من الكتاب المجيد (28). وفي حديث أبي خالد الواسطيّ: صحبت زيداً بالمدينة خمس سنين، كلّ سنة أقيم شهراً وقت الحج ولم أفارقه حتّى أقدم الكوفة، فما رأيت مثله في العلم، فلذا اخترتُ صُحبته (29).
ويشهد لذلك كلّه حديث أبي غسان الازدي قال: قدم زيد بن عليّ الشام أيّام هشام بن عبدالملك؛ فما رأيت رجلاً أعلم بكتاب الله منه؛ ولقد حبسه هشام خمسة أشهر وهو يقص علينا ـ ونحن معه في الحبس ـ تفسير سورة الحمد وسورة البقرة هذّ ذلك هذّاً (30). وذكر الكتاب فقال: « واعلموا ـ رحمكم الله ـ أن القرآن والعمل به يهدي للتي هي أقوم؛ لأن الله شرّفه وكرّمه ورفعه وعظّمه وسمّاه روحاً ورحمة وشفاء وهدىً ونوراً؛ وقطع منه بمعجز التأليف أطماع الكائدين، وأبانه بعجيب النظم عن حِيَل المتكلفين؛ وجعله متلوّاً ومسموعاً لا تمجّه الآذان؛ وغضّاً لا يَخلُق من كثرة الرّد، وعجيباً لا تنقضي عجائبه، ومفيداً لا تنفد فوائده. والقرآن على أربعة أوجُه: حلال وحرام لا يسع الناس جهله؛ وتفسير لا يعلمه الاّ العلماء؛ وعربيّة تعرفها العرب؛ وتأويل لا يعلمه إلاّ الله؛ وهو ما يكون ممّا لم يكن. واعلموا ـ رحمكم الله ـ أن للقرآن ظهراً وبطناً وحدّاً ومطلقاً، فظهره تنزيله، وبطنه تأويله، وحدّه فرائضه وأحكامه، ومطلقه ثوابه وعقابه.
وحدّث أبو خالد الواسطي وأبو حمزة الثمالي فقالا: حبرنا (31) رسالة في الردّ على الناس، ثمّ خرجنا إلى المدينة فدخلنا على محمّد بن عليّ الباقر عليه السّلام فقلنا: جُعلنا فداك، إنّا حبرنا رسالة ردّاً على الناس، فقال: اقرأوها، فقرأناها، قال: لقد أجدتُم واجتهدتم، أفهل أقرأتموها زيداً ؟ قلنا: لا. قال: اقرأوها عليه وانظروا ما يردّ عليكم. فدخلنا على زيد قلنا: جُعلنا فِداك، رسالة حبرناها في الردّ على الناس جئناك بها. قال: اقرأوها، فقرأناها عليه حتّى إذا فرغنا منها قال: يا أبا حمزة وأنت يا أبا خالد، لقد اجتهدتم، ولكنها تكسر عليكم، وما زال يردّها حتّى فرغ من آخرها حرفاً حرفاً، فوالله ما ندري من أيّ شيء نتعجّب: من حفظه لها أو من كسرها، ثمّ أعطانا جُملة من الكلام نعرف به الرد على الناس. قالا: فرجعنا إلى محمّد بن عليّ عليه السّلام فأخبرناه ما كان من زيد، قال: يا أبا خالد وأنت يا أبا حمزة، إنّ أبي دعا زيداً فاستقرأه القرآن فقرأ، وسأله عن المعضلات فأجاب، ثمّ دعا له وقَبّل ما بين عينيه. ثمّ قال: يا أبا خالد وأنت يا أبا حمزة، إنّ زيداً أُعطي من العِلم مثل ما علينا بسطه.
ومِن أمر الباقر عليه السّلام بعرض الرسالة على زيد نعرف مقدار مكانته عنده وعِظم خطره لديه، وأنّه ممّن يستحق اظهار الفضل لِما أُوتي من العلم الذي تحمّله آباؤه المعصومون عليهم السّلام، وإلاّ لم يَخْفَ على الباقر عليه السّلام ما ظهر لزيد من وجوه الإشكال في الرسالة والخلل في الطعن على اولئك الناس؛ فكان عليه أن يعرّفهما النقص في ذلك التركيب، ويُرشدهما إلى الحجّة اللازمة لنقض الخصم ودفع شُبهته؛ لكن لما عرف من أخيه زيد وفاءه بما عنده من النقض وصلوحه لتلك المهمة، أراد اظهار فضله أمام شيعته ليجب عليهم القيام بحقّه وتنزيله منزلته.
وحدثّ خالد بن صفوان قال: أتينا زيد بن عليّ عليه السّلام وهو يومئذ بالرصافة، (32) فدخلنا عليه في نفر من أهل الشام وعلمائهم، وجاءوا برجل قد انقاد له أهل الشام في البلاغة والنظر في الحجج، وكلّمْنا زيد بن عليّ عليه السّلام في الجماعة وقلنا: إن الله مع الجماعة، وإنّ أهل الجماعة حُجّة الله على خلقه، وإنّ أهل القِلّة هم أهل البدع والضلالة. ثمّ انّه حمد الله وأثنى عليه وصلّى على محمّد وآله، وتكلّم بكلام ما سمعتُ قرشياً ولا عربياً أبلغَ موعظةً ولا أظهر حُجّةً ولا أفصح لهجة منه، ثمّ أخرج كتاباً قاله في الجماعة والقِلة ذكر فيه مِن كتاب الله ما يذمّ الكثير ويمدح القلّة، وأنّ القليل في الطاعة هم أهل الجماعة، والكثير في المعصية هم أهل البدع، فأُفحم الشاميُّ فما أمرّ ولا أحلى، وانخذل الشاميون فما أجابوا بقليل ولا كثير، وخرجوا من عنده صاغرين منكِّسين رؤوسهم حياء وخجلاً، وأقبلوا على صاحبهم يعذلونه ويقولون: زعمتَ أنّك لا تدع له حُجّةً إلاّ رددتَها وكسرتها، حتّى إذا تكلّم خرست، فما تنطق بقليل ولا بكثير، فقال: وَيلَكم، كيف أكلّم رجلاً حاججني بكتاب الله، أفأستطيع أن أردّ كلام الله تعالى ؟! فكان خالد بن صفوان يقول بعد ذلك: ما رأيت رجلاً في الدنيا قرشياً ولا عربيّاً يزيد في العقل والحجج على زيد بن علي عليه السّلام (33).

* * *


مؤلفاته


إنّ صريح هاشم زيد بن عليّ عليه السّلام لولا علمه الجمّ وأدبه الكاثر لم يُؤثَر عنه من الكتب والتآليف ما أُثر، ولم يدوّن له غيره من علومه ورواياته ما دُوّن، غير أن تعاقب الاجيال وبُعد العهد وتفرّق الكتب وضياعها تركتنا في منتزح عن عرفانها أو الاحاطة بها جمعآء واحصاء ما صحّت روايته وما لم تصحّ، على أنّا نذكر هاهنا ما أوقفنا عليه البحث ممّا وجدنا الإشارة إليه في كتب علمائنا، أو وجدناه منسوباً إليه عند علماء الزيدية على علاّته. وإلَيك البيان:
1 ـ المجموع الفقهي ـ طُبع بمصر سنة 1340 هـ في مجلد تبلغ صحائفه 192 برواية أبي خالد الواسطي، وتأليف عبدالعزيز بن إسحاق البغدادي المولود في سنة 272 والمتوفى في سنة 343.
2 ـ المجموع الحديثي ـ مختصّ بالحديث فقط، تأليف عبدالعزيز ورواية أبي خالد الواسطي، ولم نعثر على طبعه.
3 ـ تفسير غريب القرآن ـ في الروض النضير ج 1 ص 65 رواه عن زيد عطاء بن السايب، وروى عنه قطعة في التفسير عبدالله بن العلي.
4 ـ إثبات الوصية ـ في الروض النضير رواها عنه خالد بن محمد، وفي مقدمة المجموع الفقهي المطبوع بمصر سنة 1340 هـ له تثبيت الإمامة، ويحتمل اتحادها مع اثبات الوصية.
5 ـ قراءته الخاصّة جمعها إمام النحاة أبو حيّان في كتاب سمّاه ( النيّر الجليّ في قراءة زيد بن عليّ )، قال في الروض النضير ج 1 ص 54: روى صاحب الكشاف كثيراً من قراءة زيد.
6 ـ قراءة جدّه عليّ بن أبي طالب عليه السّلام ـ رواها عنه عمر بن موسى الوجهي كما في فهرست الشيخ الطوسي، ويحتمل اتحادها مع القراءة التي جمعها أبو حيان.
7 ـ كتاب مدح القلّة وذمّ الكثرة ـ رواه خالد بن صفوان، ذكره في الروض النضير ج 1 ص 65.
8 ـ منسك الحج ـ طبعه العلامة المتتبع الأستاذ الأكبر السيّد محمّد عليّ هبة الدين الشهرستاني بمطبعة الفرات ببغداد سنة 1342 هـ، بلغت صحائفه 14 مع مقدمة له تبلغ عشر صحائف.

* * *


مدرسته وتلاميذه



يظهر لكل من نظر في جوامع الاحاديث (34) مقاصد زيد السامية وغاياته الشريفة، في نشر ما تحمّله عن آبائه الهداة من الفضائل والمواعظ والاحكام، فإنّه لا يريد بكل ذلك إلاّ إلقاء التعاليم الدينية والأخلاقية، واصلاح أمّة جدّه صلّى الله عليه وآله بتهذيب اخلاقها وارشادها إلى نهج الحق واستضاءتها بنور ذلك الدين الحنيف. ومن هنا كان مصدراً لجمع كبير من حملة الآثار وعليه مُعوّلهم، لما عرفوا منه غزارة في العلم ونزاهة في التحمل والنشر. وإليك أسماء من أخذ عنه:
ابنه يحيى ومحمد بن مسلم ومحمد بن بُكير وعبيدالله بن صالح وهاشم بن البريد وأبو جعفر بن أبي زياد الأحمر وأبو الجارود زياد بن المنذر وكثير بن طارق وعمر بن موسى بن الوجهي وعبيدالله بن أبي العلاء ورزين بياع الأنماط وأبان بن عثمان الأجلح والفضيل وعمر بن خالد (35)، والزهري والاعمش وسعيد بن خثيم وإسماعيل السدي وزبيد اليامي وزكريا بن زائدة وعبدالرحمن بن الحارث بن عياش بن أبي ربيعة وابن أبي الزناد (36) وشعبة (37). وفي التحفة الاثنى عشرية (38) لعبدالعزيز الدهلوي أن أبا حنيفة أخذ العلم والطريقة من الإمام الباقر ومن الصادق عليهما السّلام ومن عمه زيد بن عليّ بن الحسين عليهم السّلام. وفي الروض النضير (39): تتلمذ أبو حنيفة على زيد مدة سنتَين، ولم يمنعه من التجاهر بذلك إلاّ سلطان بني أمية. وكان سلمة بن كهيل ويزيد بن أبي زياد وهارون بن سعيد وأبو هاشم الرماني وحجّاج بن دينار في عدد كثير من فقهاء الكوفة يأتون إلى زيد ويأخذون منه العلم والفقه، وكانوا على رأيه، وتروي الزيدية أن جماعة كثيرة روت الحديث عن زيد، ذكْر أسمائهم في الروض النضير ج 1 ص 62.
وعن تهذيب الكمال للحافظ المزي أنّ آدم بن عبدالله الخثعمي وإسحاق بن سالم وبسّام الصيرفي وراشد بن سعد الصائغ وزياد بن علاقة وعبدالله بن عمرو بن معاوية حملوا الحديث عن زيد.

* * *


زهده وعبادته


قال أبو الجارود: قدمت المدينة فجعلت كلما أسأل عن زيد قيل لي: ذاك حليف القرآن، ذاك أسطوانة المسجد، من كثرة صلاته (40). ويقول أبو حنيفة حينما يُسئل عنه: هو حليف القرآن منقطع القرين (41). وفي كلام الفخري والذهبي والشبلنجي وأحمد بن حميد (42) أنّه من أكابر الصلحاء وأعاظم أهل البيت عبادة وزهداً وورعاً وديناً وخضوعاً. ويشهد لذلك ما يرويه الحافظ عليّ بن محمد بن عليّ الخزاز الرازي في ( كفاية الأثر ) عن عمير بن المتوكل بن هارون البلخي، عن أبيه، عن يحيى بن زيد، وفيه قول يحيى للمتوكّل: يا عبدالله، إنّي أخبرك عن أبي وزهده وعبادته، إنّه كان يصلّي الفريضة، ثمّ يصلّي ما شاء الله، ثمّ يقوم على قدمَيه يدعو الله إلى الفجر يتضرّع له ويبكي بدموعٍ جارية حتّى يطلع الفجر، فإذا طلع الفجر قام وصلّى الفريضة، ثمّ جلس للتعقيب إلى أن يتعالى النهار؛ ثمّ يقوم في حاجته ساعة، فإذا كان قرب الزوال قعد في مصلاّه سبّح الله ومجّده إلى وقت الصلاة، وقام فصلّى الاولى وجلس هنيئة، وصلّى العصر وقعد في تعقيبه ساعة ثمّ سجد سجدة، فإذا غابت الشمس صلّى المغرب والعتمة: قلت: كان يصوم دهره ؟ قال: لا، ولكنه يصوم في السنة ثلاثة أشهر، وفي الشهر ثلاثة أيّام. قلت: وكان يُفتي الناس ؟ قال: ما أذكر ذلك عنه.

* * *


أدعيته


روى الحافظ ابن عساكر بترجمة زيد من تاريخ الشام ج 6 ص 18 عن عبيد بن محمد بن علي، قال: كان من دعاء زيد بن عليّ عليه السّلام قوله:
اللهمّ إنّي أسألك سلوّاً عن الدنيا وبُغضاً لها ولأهلها؛ فإنّ خيرها زهيد؛ وشرّها عتيد؛ وجمعها ينفد؛ وصفوها يرنق؛ وجديدها وخيرها ينكد؛ وما فات منها حسرة؛ وما أُصيب منها فتنة؛ إلا من نالتْه منك عِصمة. أسألك اللهمّ العصمة منها؛ ولا تجعلنا كمن رضي بها واطمأنّ إليها؛ فإنّ مَن أمنها خانته، ومن اطمأنّ إليها فجعَتْه.
أعوذ بك اللهمّ مِن مثل عمله؛ ومثل مصيره؛ ثم قال: كم لي من ذنب وسرف بعد سرف، قد ستره ربّي وما كشف؛ أجل أجل ستر ربي العَورة، وأقال العثرة، حتّى أكثرتُ فيه من الإساءة وأكثر ربّي فيها من المعافاة؛ إني لأستحي من عظمته أن أفضي إليه بما أستخفي به من عبدٍ له؛ وبما أنه ليفضح من هو خيرٌ مني فيما هو أدنى منه، ثمّ ما كشف ربّي لي فيه ستراً، ولا سلّط علي فيه عدواً، فكم له في ذلك من يدٍ ويد ما أنا إن نسيتها بذكور، وما إن كفرتها بشكور، وما ندمت عليها إذا لم أُعتبك منها. ربِّ لك العُتبى بما تحب وترضى، فهذه يدي وناصيتي، مقرّ بذنبي معترف بخطيئتي، إن أُنكرها أُكذَّب، وإن اعترف بها أُعذَّب، إن لم يَعفُ الربّ، ويغفر الذنب، فإن يغفر فتكرّماً؛ وإنّ الله ليس بظلاّم للعبيد، فهو المستعان لا يزال يُعين ضعيفاً؛ ويُغيث مستغيثاً؛ ويُجيب داعياً؛ ويكشف كرباً؛ ويقضي حاجة ذي الحاجة في كلّ يوم وليلة؛ أجل أجل أنت كذاك وخيرٌ من ذاك.

* * *


أدبه


من ذلك نعرف أنّه سالك في كل آنائه طريقة آبائه أمناء الحق عليهم السّلام من الذِّكر والابتهال والصلاة؛ وأنّ الغاية المتوخّاة له ليست إلا الخضوع لله سبحانه كما عليه الأولياء المتضرّعون والأبرار المتبتّلون؛ الذين اتخذوا الذكر والبكاء سميرًا لهم عند الوحشة والفراغ من واجب أمر المعاش. ومن هنا لا نعدّه في الشعراء الذين قضوا أوقاتهم في الشعر وأطواره، كيف والشعر يستدعي حالاً غير ذلك الحال. نعم قد يجري على لسانه البيَان والثلاثة وما هو إلاّ من عفو البديهة وفواضل التفكير، ومن هذا قوله في رثاء الباقر عليه السّلام (43):

ثـوى باقر العلم في مَلحدٍ **** إمـامُ الورى طيّب المولدِ
فمَن لي سوى جعفر بعده **** إمامِ الورى الأوحدِ الأمجدِ
أبا جعفر الخير أنت الإمام **** وأنت المُرَّجى لبلوى غدِ


وله وقد مر بجماعة من قريش سمعهم يفضّلون قوماً على عليّ بن أبي طالب عليه السّلام فبعث بها إليهم (44):ومَـن فـضل الأقـوامَ يوماً برأيه **** فــإنّ عـليّاً فـضّلته الـمناقبُ
وقـولُ رسـول الله والـقولُ قوله **** وإن رغـمتْ منه الأُنوف الكواذبُ
دعـاه بـبدرٍ فـاستجابَ لأمـره **** كهارونَ من موسى أخٌ لي وصاحبُ
فـما زال يـعلوهم بـه وكـأنّهم شـهـاب تـلقّاه الـقوانس ثـاقبُ


ووقف بمقابر النباج عند ذهابه إلى الحجّ فقال (45):

لـكلّ أنـاسٍ مـقبر بـفِنائهم **** فـهم يـنقصون والقبور تزيدُ
فما أن تزال دار حيٍّ قد أخربت **** وقـبر بأفناء البيوت جديدُ (46)
هـمُ جيرة الأحياء أمّا مزارهم **** فـدانٍ، وأمّـا الـملتقى فبعيدُ


قال ابن عساكر في تاريخ الشام (47):
لما خرج زيد بن عليّ من مجلس هشام وقد دار الكلام بينهما في أمر الخلافة أنشأ يقول:

مـهلا بني عمنا عن نحت أثلتنا **** سـيروا رُوَيداً كما كنتم تسيرونا
لا تـطمعوا أن تُهينونا ونُكرمكم **** وأن نـكفّ الأذى عنكم وتُؤذونا
اللهُ يـعـلم أنّــا لا نـحـبّكمُ **** ولا نـلـومـكمُ ألاّ تُـحـبّونا
كلّ امرءٍ مولع في بُغض صاحبه **** فـنـحمد الله نَـقلُوكم وتـقلونا


وفي الحدايق الوردية كان من انشاء زيد قوله مخاطباً ابنه يحيى:

أُبـنيّ إمّـا أهـلكنّ فـلا تكنْ **** دنِـسَ الفِعال مُبيَّض الأثوابِ
واحـذر مُـصاحبة اللئيم فإنّما **** شَـين الكريم فسولة الأصحابِ
ولـقد بلوتُ الناس ثم خَبَرتُهم **** وخبرت ما وصلوا من الأحبابِ
فـإذا القرابة لا تُقرّب صاحباً **** وإذا الـمودّة أقـرب الأنسابِ


وقوله في رثاء الباقر عليه السّلام:

يا موتُ أنت سلبتني إلفا **** قـدّمته وتـركتَني خَلْفا
واحـسرتا لا نلتقي أبداً **** حـتّى نقوم لربّنا صفّا


وقوله:يـقولون زيـداً لا يزكّي بماله **** وكيف يزكّي المال مَن هو باذلُه
إذا حال حَولاً لم يكن في ديارنا **** مِـن المال إلاّ رسمُه وفضائلُه


وقوله:

السيف يعرف عزمي عند هبّته **** والرمح بي خبرٌ والله لي وزرُ
إنّـا لـنأمل مـا كانت أوائلنا **** مـن قبلُ تأمله إن ساعد القدرُ


* * *

خُطبه


كان زيد معروفاً بفصاحة المنطق وجزالة القول، والسرعة في الجواب وحسن المحاضرة، والوضوح في البيان والايجاز في تأدية المعاني على أبلغ وجه، وكان كلامه يشبه كلام جدّه عليّ بن أبي طالب عليه السّلام، بلاغةً وفصاحة (48)، فلا بِدعَ إِذاً إنْ عدّه الجاحظ (49) من خطباء بني هاشم، ووصفه أبو اسحاق السبيعي والأعمش بأنه أفصح أهل بيته لِساناً وأكثرهم بياناً (50). ويشهد له أن هشام بن عبدالملك لم يزل منذ دخل زيد الكوفة يبعث الكتاب أثر الكتاب إلى عامل العراق، يأمره بإخراج زيد من الكوفة ومنع الناس من حضور مجلسه، لأنّه الجذّاب للقلوب بعِلمه الجمّ وبيانه السهل، وأنّ له لساناً أقطع من السيف وأحدّ من شبا الأسنّة، وأبلغ من السحر والكهانة ومن النفث في العُقد (51). وجوابُه لهشام بن عبدالملك يوم قال له: « بلغني أنّك تذكر الخلافة وتتمّناها ولستَ هناك وأنتَ ابن أمَة » شاهد عدلٍ على تلك الدعوى التي لم تقع محل التشكيك؛ فلقد بان على هشام في ذلك المجلس المحتشد بوجوه أهل الشام؛ العجز والانقطاع؛ حدّث معمَّر بن خُثَيم عنه أنه يقول: كنت أماري هشاماً وأكايده الكلام ولم أترك له مخرجاً؛ دخلت عليه يوماً فذكر بني أمية وافتخر بهم؛ فقال: كانوا أشد قريش أركاناً، وأعلاهم مكاناً وسلطاناً؛ وكانوا رؤوس قريش في جاهليتها ومُلوكها في اسلامها.
فقلت: على مَن تفتخر، على هاشم وهو أول من أطعم الطعام وضرب الهام وخضعت له قريش بإرغام، أم على عبدالمطلب سيّد مضر جميعاً ؟! وإن قلت معدّ كلّها صدقت، إذا ركب مشوا، وإذا انتعل احتفوا، وإذا تكلّم سكتوا، وهو مُطعم الوحش في رؤوس الجبال، والطير والسباع والإنس في السهل، حافر زمزم، وساقي الحجيج، وربيع العُمرتين، أم على بَنيه أشراف الرجال، أم على سيّد ولد آدم رسول الله صلّى الله عليه وآله المحمول على البُراق، أم على أمير المؤمنين وسيّد الوصيين عليّ بن أبي طالب عليه السّلام، أخي رسول الله صلّى الله عليه وآله وابن عمّه، والمفرّج عنه الكُرب، وأوّل من قال « لا إله إلا الله » بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله، لم يُبارزه فارس قطّ إلاّ قتله، وقال فيه رسول الله صلّى الله عليه وآله ما لم يقله في أحدٍ من أصحابه ولا لأحد من أهل بيته. فاحمرّ وجه هشام وبُهِتَ ولم يُحِرْ جواباً (52).
وإليك ما وجدناه من خطبه محفوظاً في الجوامع ليكون مثالاً لتلك الدعوى التي لم تقع محل التشكيك.
1. حدّث أبو الجارود قال: خطب زيد بن عليّ عليه السّلام أصحابه حين الخروج فقال: « الحمدلله الذي منّ علينا بالبصيرة، وجعل لنا قلوباً عاقلة وأسماعاً واعية، قد أفلح مَن جعل الخير شعاره والحقّ دِثاره، وصلّى الله على خير خلقه الذي جاء بالصدق من عند ربّه وصدّق به الصادق [محمّد]؛ وعلى آله الطاهرين من عترته وأُسرته، والمنتجبين من أهل بيته.
أيّها الناس، العَجَل العَجَل قبل حُلول الاجل، وانقطاع الأمل، فوراً.. كم طالب لا يفوته هارب إلاّ هرب منه إليه، ففِرّوا إلى الله بطاعته، واستجيروا بثوابه من عقابه، فقد أسمعكم وبصّركم ودعاكم إليه وأنذركم، وأنتم اليوم حجّة على مَن بعدكم، إن الله يقول: ليتفقّهوا في الدِّينِ وليُنذروا قومَهم إذا رجعوا إليهم لعلّهم يَحذرون . ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون، ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءتهم البينات أولئك لهم عذاب عظيم. عِبادَ الله، إنّا ندعوكم إلى كلمة سوآء بيننا وبينكم ألاّ نعبد إلاّ الله ولا نُشرك به شيئاً ولا يتّخذ بعضنا بعضاً أرباباً مِن دون الله سبحانه وتعالى، إنّ الله دمّر قوماً اتّخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله.
عباد الله، كأنّ الدنيا إذا انقطعت وتقضّت لم تكن، وكأنّ ما هو كائن قد نزل، وكأن ما هو زائل قد رحل، فسارعوا في الخيرات واكتسبوا المعروف تكونوا مِن الله بسبيل، فإنّ من سارع في الشر واكتسب المنكر ليس من الله في شيء.
أنا اليوم أتكلّم وتسمعون ولا تنصرون، وغداً بين أظهركم هامة فتندمون، ولكن الله ينصرني إذا ردّني إليه، فهو الحاكم بينا وبين قومنا بالحق، فمن سمع دعوتنا وأناب إلى سبيلنا وجاهد بنفسه نفسه ومَن يليه من أهل الباطل لادّعائهم الدنيا الزائلة الآفلة على الآخرة الباقية، فالله من أولئك بريء؛ وهو يحكم بيننا وبينهم. إذا لقيتم قوماً فادعوهم إلى أمركم؛ فإن يُستجبْ لكم برجلٍ واحد خيرٌ مما طلعت عليه الشمس من ذهب وفضة؛ وعليكم بسيرة أمير المؤمنين عليه السّلام بالبصرة؛ لا تتبعوا مُدبراً؛ ولا تُجهزوا على جريح؛ ولا تفتحوا باباً مغلقاً، والله على ما نقول وكيل.
عبادَ الله، لا تقاتلوا عدوكم على الشكّ فتضلّوا عن سبيل الله، ولكن البصيرة ثمّ القتال؛ فإنّ الله يجازي عن اليقين أفضل جزاء يجزي به على حقّ؛ إنّه مَن قتل نفساً يشكّ في ضلالتها كمن قتل نفساً بغير حق. عبادالله البصيرة ثمّ البصيرة.
قال أبو الجارود: قلت له: يا بن رسول الله، الرجل يبذل نفسه على غير بصيرة؛ قال: نعم، أكثر مَن ترى عشقت قلوبهم الدنيا والطمع أرداهم إلا القليل، والذين لا يحضرون الدنيا على قلوبهم ولا لها يسعون أولئك مني وأنا منهم.
2. وحدّث عمر بن صالح العجلي أنه سمع زيد بن عليّ يخطب أصحابه ويقول: « الحمد لله مُذعناً له بالاستكانة، مقرّاً له بالوحدانية؛ وأتوكّل عليه توكّل من لجأ غليه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّداً عبده المصطفى ورسوله المرتضى الأمين على وحيه؛ المأمون على خلقه، المؤدي إليهم ما استرعاه من حقه؛ حتّى قبضه صلّى الله عليه وآله.
أيّها الناس، أُوصيكم بتقوى الله، فإنّ الموصي بتقوى الله لم يدّخر نصيحة ولم يقصر عن إبلاغ عِظة؛ فاتّقوا الله في الأمر الذي لا يصل إلا إلى الله تعالى إن أطعتموه؛ ولا ينقص من ملكه شيء إن عصيتموه؛ ولا تستيعينوا بنعمته على معصيته؛ وأجملوا في طلب مباغي أموركم، وتفكّروا وانظروا (53).
3. وحدّث فرات بن إبراهيم الكوفي في تفسيره أنّ زيد بن عليّ عليه السّلام خطب الناس فقال: أيّها الناس، إنّ الله بعث في كلّ زمان خيرة، ومن كلّ خيرة منتجباً حبوةً منه؛ فإنّ الله أعلم حيث يجعل رسالته؛ ولم يزل الله يتناسخ خيرته حتّى أخرج محمّداً صلّى الله عليه وآله من أفضل بريّته وأطهر عترة أُخرجت للناس. فاتّقوا الله عبادَ الله وأجيبوا إلى الحق، وكونوا أعواناً لمن دعاكم إليه ولا تأخذوا سُنّة بني إسرائيل يكذّبون أنبياءهم وقتلوا أهل بيت نبيهم. ثمّ أنا أذكّركم أيها السامعون لدعوتنا، المتفهمون لمقالتنا، بالله العظيم الذي لم يُذكّر المذكِّرون بمثله؛ إذا ذكروه وَجِلت قلوبُهم؛ واقشعّرت جُلودُهم. ألستم تعلمون أنّا أهل بيت نبيّكم المظلومون المقهورون؛ فلا سهم وُفِّينا؛ ولا تراث أُعطينا؛ ينشأ ناشئُنا بالقهر؛ ويموت ميّتنا بالذلّ.
وَيْحكم، إنّ الله فرض عليكم جهاد أهل البَغي والعدوان؛ وفرض نُصرة أوليائه الداعين إليه وإلى كتابه؛ قال الله: ولينصرَنّ اللهُ مَن ينصرُه وإنّا قوم غضِبنا لله ربِّنا، ونقمنا الجور المعمول به في أهل ملّتنا، ووضعنا كلّ من توارث الخلافة؛ وحكم بالأهواء ونقض العهد؛ وصلّى الصلاة لغير وقتها، وأزال الأفياء والأخماس والغنائم؛ ومنعها الفقراء والمساكين وأبناء السبيل؛ وعطّل الحدود؛ وأخذ بها الجزيل من المال، وحكم بالرشا والشفاعات والمنازل، وقرّب الفاسقين، ومثّل بالصالحين، واستعمل الخونة؛ وخوّن أهل الامانات، وسلّط المجوس، وجهّز الجيوش، وقتل الوالدان، وأمر بالمنكر ونهى عن المعروف، ويحكم بخلاف حكم الله، ويصدّ عن سبيل الله، وينتهك المحارم، فمن أشرّ عند الله منزلة ممّن افترى على الله كذباً، أو صدّ عن سبيله وبغى في الأرض ؟! ومَن أعظم عند الله منزلةً ممّن أطاعه، ودان بأمره وجاهد في سبيله ؟! ومَن أحسن قولاً ممّن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين ؟! أولئك يدخلون الجنة، فمن سألَنا عن دعوتنا هذه فإنّا ندعو إلى الله وإلى كتابه وايثاره على ما سواه، وأن نصلّي الصلاة لوقتها، ونأخذ الزكاة لوجهها، وندفعها إلى أهلها، وننسك المناسك بهديها، ونضع الفيء والأخماس في مواضعها، ونجاهد المشركين بعد أن ندعوهم إلى الحنيفية، وأن نجبر الكسير، ونفكّ الأسير، ونرِدُ على الفقير، ونضع النخوة والتجبّر والعدوان والكبر؛ وأن نرفق بالمعاهدين ولا نكلّفهم ما لا يطيقون. اللهمّ هذا ما ندعو إليه، ونعين ونستعين عليه، وإنا نُشهدك عليه أكبر الشاهدين، ونُشهد عليه جميع مَن أسكنته أرضك وسماواتك.
اللهمّ ومن أجاب إلى ذلك مِن مسلمٍ فأعظِم أجره وأحسن ذِكره، ومِن عاجلِ السوء وآجله فاحفَظْه وكُن له وليّاً وهادياً وناصراً. ونسألك اللهمّ من أعوانك وأنصارك على أحياء خلقك، عصابة تحبّهم ويحبونك ويجاهدون في سبيلك لا تأخذهم فيك لومة لائم. اللهمّ وأنا أوّل من أناب وأوّل من أجاب، فلبيّك يا ربّ وسعديك، فواجبوا إلى الحقّ وأجيبوا إليه أهلَه وكونوا أعواناً، فإنّما ندعوكم إلى كتاب الله وسُنّة نبيّه (54).




[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]



avatar
ابن النهرين
المدير العام

الجنس : ذكر
الابراج : الحمل
عدد المساهمات : 1521
تاريخ الميلاد : 28/03/1981
تاريخ التسجيل : 25/11/2010
العمر : 37

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الشهيد زيد بن عليّ بن الحسين بن علي عليه السّلام

مُساهمة من طرف الأميرة الدلوعة في الأحد 31 يوليو - 9:17

شكراً موضوع مميزسلمت يداك


[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
avatar
الأميرة الدلوعة
المشرفة العامة لقسم الاسرة
المشرفة العامة لقسم الاسرة

الجنس : انثى
الابراج : الجدي
عدد المساهمات : 228
تاريخ الميلاد : 01/01/1992
تاريخ التسجيل : 01/12/2010
العمر : 26
المزاج المزاج : عالي

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الشهيد زيد بن عليّ بن الحسين بن علي عليه السّلام

مُساهمة من طرف ابن النهرين في الإثنين 22 أغسطس - 10:31

يسلمو  على مرورك


[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]



avatar
ابن النهرين
المدير العام

الجنس : ذكر
الابراج : الحمل
عدد المساهمات : 1521
تاريخ الميلاد : 28/03/1981
تاريخ التسجيل : 25/11/2010
العمر : 37

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى